دلبرين في شهرزاد

خرج دلبرين من بيته في ذلك المساء وهو يركض ليلتحق بأقرانه وأصدقائه الذين تم إبلاغهم من قبل مدير المدرسة التي يدرسون فيها بأنهم مدعون إلى مشاهدة فلم في السينما، فكيف يقاوم الأطفال مثل هذه الدعوة لاسيما نحن نتحدث عن مكان ينتشر الفقر فيه بشكل ربما لايخفى على متابع وناظر، ودلبرين كان واحداً من بين خمسمائة طفل آخر ركضوا ووجوههم تحمل تباريج الفرح، وألسنتهم تغني وترتل سنذهب الى السينما، وسنشاهد فلما، وكأنهم كانوا مستعجلين بركضهم للذهاب إلى قدرهم المجهول بنظرهم وغير المجهول في نظر البعض الاخرين بالأخص القائمين على السينما والواقفين وراءهم.

دلبرين طفل في الثانية عشرة من عمره، بشرته بيضاء تميل الى الأحمر بالأخص عندما تبرز عليه ملامح الخجل..شعره قصير يمزج الأحمر والأشقر، نحيل جسده ضعيف جدا بحيث من يراه كان يقول له بأن الريح ستكسر قامتك فكان يبتسم في وجوههم ويمضي في طريقه، حمل في ذلك اليوم أمانيه بالدخول إلى السينما لأول مرة في حياته، فظروفهم المعيشية لاتساعده على شراء بطاقة السينما ومشاهدة الأفلام، لاسيما أن والدته ربة بيت دون عمل وهي إنسانة تنبعث من وجهها ملامح الصفاء والنقاء، طويلة جميلة وناعمة على الرغم من أن الظروف القاسية التي تعيشها قد خلفت على ملامحها بعض التجاعيد إلا إنها مع ذلك لم تزل نضرة، ووالده في ربيع عمره، لم يستطع أن ينهي دراسته بعد الزواج حيث ترك دراسته والتحق بحقله، ومن كثرت العمل والجهد الذي يبذله غزا المشيب رأسه، ولأن قوت الأهل أهم من المظاهر نراه دائما في الحقل على الرغم من أن ما يجنيه لايكفي سوى لقوتهم اليومي وبعض المصاريف الثانوية والتي لاتتكرر كثيراً مثل شراء بعض حاجيات المدرسة لإبنه الوحيد..إلا أنه ما إن يعود للبيت حتى يبتسم في وجه زوجته وإبنه دون أن يظهر لهم ما يعانيه من ألم وتعب جراء العمل اليومي المستمر.

دلبرين في مسائه ذاك كان قد رسم ملامح شهرزاد في مخيلته، لكونه قبلها لم يدخلها وكل ما يعرفه عنها هو أنه كان يمر أمام بوابتها دون أن يسمح لنفسه حتى بالتفكير يوما بدخولها..وشهرزاد هذه كانت أحيانا تعج بالأصوات إلا أنها كانت أصوات غريبة على دلبرين وعلى الكثيرين ممن خرج في ذلك المساء من الأطفال لكونهم لايملكون كما قلت سابقا المال ليدخولها.

وصل دلبرين إلى الشارع المؤدي للسينما وهو لم يزل يركض..وكأنه لم يكن وحده الراكض حيث وجد الكثيرين قد سبقوه إلى شهرزاد..التقى أمام بوابة السينما ببعض أصدقائه الذين يعرفهم وببعض الآخرين الذين لم يكن يعرفهم ولكن ذلك لم يكن مهما طالما أن هدف مجيئهم إلى ذلك المكان واحد، كان الظلام قد أدلى بدلوه والسماء قد التقطت تراتيل أهالي المدينة ..وتنتظر أن تهب تلك الارواح إلى دورها لتقدم قرابينها من التراتيل الجديدة… إلا أنها في ذلك المساء كانت على موعد مع تراتيل من صنف آخر، تراتيل ليست بغريبة عليها، لكنها في الوقت نفسه تراتيل تناجيها تارة وتمقتها تارة أخرى..لكونها امتزجت بانين أرواح نضرة لم تعرف معنى الخطيئة بعد.

التمت تلك الجماجم الصغيرة وتلك الأجساد النضرة ..والأرواح النقية أمام بوابة شهرزاد ونظموا دخلوهم إلى القاعة وجلس الأطفال في هدوء تام منتظرين الفلم الذي تم دعوتهم لمشاهدته والذي من المفروض أن يذهب ريعه الذي قد يجمع منه إلى أطفال آخرين في بلد شقيق انتفض أهله بوجه مغتصبيهم في ثورة عرفت بكثرة شهدائها..ولم يكن أحدا من هولاء الأطفال ولا ذويهم يعرفون بأن القدر يخبئ لهم ما لايتوقعونه.

كان دلبرين من الأوائل الذين دخلوا صالة العرض لهذا كان جالساً في المقدمة، وكأن روحه كانت تشم رائحة غريبة أو تشعر بأمر غريب لذا كان يلتفت كثيرا للوراء وينظر إلى أصدقائه وكأنه في نفسه كان يشعر بفجيعة ما أو خوف ما..لهذا لم يستمتع بمشاهدة الفلم الذي أصلا لم يكن فلماً مخصوصاً للاطفال..فهو من عنوانه” جريمة في منتصف الليل” يوحي بالكثير من العنف الذي لايتناسب مع أعمارهم.. ولكنه في الوقت نفسه إسم لواقع أصبحت ملامحه تظهر لأصحاب الأقدار ولمن يقف وراء تلك الجدران يترقبون المجهول المعلوم لديهم والمجهول غير المعلوم لدى هولاء الأطفال.

في خضم الأحداث العنيفة ضمن سيناريو الفلم انتقلت شرارة من اللهب الى الشاشة البدائية فالتقطتها وانتشرت النيران بسرعة البرق في الشاشة وفي باق الملحقات التابعة لها، ظن الأطفال بانها من ضمن مشاهد الفلم نفسه، إلا إنها كانت القدر المجهول الذي أصبح معلوماً من تلك اللحظة حيث التهمت النيران كل شيء فانتشر الدخان في أرجاء الصالة ولأنها كانت قد أقفلت بإحكام ولاتوجد مخارج مفتوحة فيها فقد التهمت النيران والدخان الأرجاء وبدأت بحصد الارواح النضرة وتلك الأجساد النحيلة من سوء التغدية أصلا، ومن الجوع الدائم..بدأ الهلع تراكضت الأقدام مسرعة نحو المخارج وضاع دلبرين الذين كان في المقدمة بين الصدمة التي أصيب بها وبين دهشة الحريق ورعب الصرخات التي اجتاحت كل زاوية من زوايا شهرزاد.. تسابقت النيران نحو الأجساد من الداخل، وتسارعت ألسنة الدخان من الخارج، وظل القائمين على السينما والقائمين على المدينة من أزلام النظام الحاكم يشاهدون الوضع دون أن تهزهم صراخات الأطفال، حتى السماء وقتها جفت ولم تمطر وتلبي نداء تلك الأرواح بالخلاص..اجتمع الأهالي وبدأوا بنقل المياه بالأيدي والأفواه وكل ما يقع بين أيديهم إلى موقع الحريق إلى شهرزاد التي خانت الأطفال .. وبدأوا باطفاء الحريق دون ان تتحرك آليات الحكومة.

برز أحد الرجال وقتها وحمل على عاتقه الحمل الكبير هذا، حيث التف حوله المئات من الأهالي واستطاعوا بعد عمل وجهد وسعي أن يخمدوا النيران التي التهمت وقتها الكثير من الأجساد، فمن الخمسمائة لم ينج الا ميئتين وخمسة عشرة روح أما الباقي فقد التهمهم النيران والدخان وحصدت أرواحهم.. وقتها ارتفعت رائحة تلك الأجساد الملائكية إلى السماء فامتزجت بتراتيل أهل السماء.. ولأن السماء لم تكن وقتها تبالي فقد تركتها لتتراكم وتوضع بعضها فوق البعض.. بعد ساعات من العمل والجهد استطاع الأهالي ترميم بعض الجثث واعادتها دون إعادة الروح إليها، فوضعت في عربات خشبية مهترئة الهيكل والدواليب ونقلت إلى إحدى دور العبادة لتشيع بعدها إلى مقابرها، وعلى الرغم من العديد منها ظلت بدون هوية حيث لم يتعرف أحد عليها وذلك لكون الحريق قد التهم كل ما قد يؤدي الى معرفة هويتهم.

والد دلبرين وأمه كانا من ضمن الحاضرين في تلك الموقعة وكانا ممن تعرفا على جثة أبنهما الذي قبل ان يختنق بالدخان ويحترق ساقيه كانت الأرجل قد داست على جسده النضر والنحيل فكسرت عظامه جميعها، وكأن ما كان يقوله له الناس كان من ضمن السيناريو المعد له في تلك الليلة..أخذا جثة إبنهما ودفناها في المقبرة التي جمعته باصدقائه الآخرين مرة ولكن بعيداً عن شهرزاد… أما باقي الجثث التي لم يتم التعرف عليها فقد دفنت في مقبرة جماعية وكأن الاهالي أرادوا منهم أن يمتزجوا ليسطروا حلقة جديدة من قصة الغراب.

– جوتيار تمر

12/9/2004

Comments are closed

UA-41023677-1