إشكالية يتم … بقلم : سهيلة بورزق

هل يمكن للثقافة في الجزائر أن تستمد سيرورتها من مثقفيها؟
لا زلت أؤمن أن المثقف الحقيقي هو من له القدرة على التعاطي مع جميع الثقافات العالمية بغض النّظر عن قناعاته السياسية والدينية المتكونة داخل صراع ذاتي نخبوي مسيطر على اللغة والأخلاق والدين.
المثقف الجزائري كينونة مستقلة لكنّه محتفظ بديناميكية تقاوم ثقافة العولمة من حيث لا يدري. الثقافة في الجزائر بحاجة اٍلى فرض نفسها على المجتمع مع وجود خيارات تعريفية بظاهرة الحداثة التي تحققت في العالم بمنهج راق جدا لكننا للأسف لا ننظر إليها بعقل متفاعل يتطلب منّا دراسة ما ينفعنا في مجتمعنا الحتمي.أنا أقول اٍنّ الثقافة في المجتمعات المتطورة تتطلب الدفاع عن حرية الفكر وتنمية قدراته ومن ثمة الارتقاء بوعي المثقف لكن من دون اتهام فلسفته في الكتابة أو الاعتقاد أوالسلوك ،لذلك أستطيع أن أصف ما يحدث في الجزائر بالجلطة الثقافية التي تشبه تماما جلطة القلب أو المخ لكنها غير قاتلة فلا يوجد هناك معايير تتحكم في إشكالية الصراع الثقافي لأنّ الجزائر تمتلك العديد من الثقافات الزاخرة بالفن والفكر واللهجات والآثار والروايات والقصص والأشعار ناهيك عن الإزدواجية اللغوية التي يتمتع بها المثقف الجزائري الذي من السهل جدا عليه التفاعل مع اللغة العربية والفرنسية معا وحتى الأمازيغية التي أراها قد تطورت في تحررها من لغة التخاطب إلى نصوص أدبية راقية، إذن هذا الكم الهائل من الثقافات داخل الوطن الواحد ألا يحتاج منا اٍلى النهوض به واعلانه عالميا؟ ماذا ينقصنا أمام ثقافة المشرق؟ ولماذا نتكالب خلف كلّ ما هو مشرقي؟·لعل التواصل الثقافي والتفاعل الفكري في الجزائر بحاجة اٍلى موقف سياسي قوي وعميق وفعّال داخليا وخارجيا وأنا أتفق تماما مع فرض حتمية الإندراج في سيرورة تحديث بديهيات التّحرر من سلطة الثقافة الواحدة لذلك علينا أن نفتح أبوابنا لكلّ ما هو مميّز في طرحه، لكل ما لا يمارس علينا قبحه ،وعلينا بالتالي التّحرر من قدسية الجغرافيا بالتشهير بما نملك من ثقافات مختلفة ومتنوعة ممزوجة برائحة أصالتنا واختلافنا.
ما يعيب المثقف الجزائري هو عدم إيمانه وثقته بقدراته في التغيير رغم نجاحه وتميّزه خارج حدود الوطن، لكنني أعود وأقول إن الصمت السياسي في تحقيق طبقة مثقفة غير فقيرة وغير محتاجة اٍلى خبز يومها هو من تسبب في خلق هذا الثقب الفارغ في روح المثقف المميز لدينا، إذن المشكلة سياسية قبل أن تكون ثقافية وهذه العقدة ستصل بنا إلى انفجار سياسي جديد بين قلة التفاعل مع المثقف في تحديث أولوياته الفكرية والثقافية وبين ظاهرة الإحتفاء بأدباء ومثقفي البلدان العربية الأخرى على أنهم النموذج الحقيقي للمثقف في الوطن العربي بينما الإنسان الجزائري الذي يدّعى مثقفا بالإسم فقط يعاني من أبسط الإحتياجات الإنسانية وخجلا مني وحتى لا أعرّي المستور لن أذكر قيمة الخبز في حياة المثقف والكاتب حتى لا أسخر من نفسي وأنا أرتّب غضبي وأمسح عنه غباره لكي لا يلمع بداخلي أكثر. المثقف لدينا منهك ومتعب من قلة حيلته أمام التناقضات الإجتماعية التي يعيشها ويشارك فيها كمواطن له اهتمامات قابلة للتلاشي لو ضربه الجوع أو اللاأمن أو المرض أو الحصار الديني المشعوذ الذي لا يقوم على فلسفة القرآن العظيم أو الحصار السياسي الذي أراه مرتبطا بعمق بكلّ ما يحدث للمثقف من مآس تزيده ابتعادا عن دوره الحقيقي داخل الوطن أو خارجه. إذن نحن أمام مرآة الحقيقة الناطقة بلغة التغيير التي نختبرها جميعا أمام هم الوطن لذلك فالمثقف فينا عليه أن يشارك في مساءلة البديهيات المسلّم بها وعليه أن يختبر صلابة الثقة فيه كمواطن يملك جميع الحقوق الإنسانية الحرة لا الحقوق المشروطة بأي شكل من الأشكال.
دعونا نتدافع رأسا، دعونا نختبر الذات الأخرى فينا، دعونا نتّفق على أن الثقافة في الجزائر عليها أن تنهض وتتحرك بمختلف ما تملك من ماض عريق وعلى سلطة السياسة أن تعي أن الإهتمام بديمومة الثقافة والمثقف هما من شروط تقدم الجزائر نحو العالمية، أريد أن أرى بلدي ألماسة شمال إفريقيا في الرّقي الحضاري والثقافي المتواصل.

Comments are closed

UA-41023677-1