طاولة الأوغاد !

ليلة أخرى عاصِفة بالأضغان، السواد داخِل القُلوب يكاد يلتهم الأجسام، جوّ مُكهرب، شُحنات زائدة … والأوغاد لا زالو حول الطاوِلة المُستديرة، يُمسِكون بأيديهم أوراق اللعب، كُلّ منهِم يبحث عن سحقِ صديقه، إبتسامات تعلو بين الفينة والأخرى، تبدوا لمن لا يعرِفهم ملامِح سعادة وإمتنان، أما المُدرِك لأمرهم يعلم بأنّها مُجرّد وسائل ديبلوماسية يستخدِمها هؤلاء للتمويه … مثلما تُبرِز الذئاب أنيابها، فيُخيّل للطريدة أنّها تضحك معها !، حربٌ سجال تدور أحداثها فوق الطاوِلة، و غدرٌ وذبحٌ يجري تحتها، عالم وسِخ أبطاله هؤلاء، نحرُ أمّة عندهم أهون من إطفاء سيجارة !،إنّهم أوغاد المدينة إجتمعوا الليلة على أمرٍ جلل … كيف سيُقسّمون الغلّة في سنوات عِجاف ؟ !.

كبيرهم ( المُستثنى الوحيد من مُعادلة الأوغاد )، هُو مِحور دورانهم، يسبح في فُلكِه الجميع دون إستثناء، جُهزّ له من يفهم نظرة عينيه و يستشعِر دقّات قلبه !، حتّى إذا أراد شيئا مّا، دون أن يبذُل الزعيم جُهدا لطلبِه، فهِمه خادِمه وأسرع بتقرير أمرِه !، ” قوّاده ” من طِراز رفيع، في شؤون سيده خادِمٌ مُطيع، لولاه لضاع سيّد القوم في الحقائق، مهمّته نسجُ الخيال و تزييف الواقع الفظيع، وفوق خادِمه خادِمٌ آخر، في مزايا منصِبه يستثمِر ويتفاخر، بأنّ القائد في الجيب !، ويتوعّد أنّ من ” خطى راسو لوساد ” لم يربح إلّا ” العيب ” !، تكتّل بعد هذان العبدان الضعيفان جينيا … القويّان إداريا، جمعٌ من الأوغاد الآخرين، الأعلى مرتبة فيهم سيناتور، والأهون فيهم مرتبة … ” شوفور ” ؟ !.

المُشكلة أنّ حامِلي أوراق اللعب، ينصُب بعضهم لبعض شَركا، إلّا عندما يحين دورُ القائد ” الأعظم “، فإنهّم حينئذ يتعمّدون الخسارة !، حتّى لا يشعُر زعيمهم بأنّه على جادة الضلال !، بئسا لهم … كم هُم مُحترِفون في تخدير المواطنين … وحتى المسؤولين ، من طينة الزُعماء الكِبار !، دامت اللعبة سنوات … كسب على الطاوِلة في الأخير شكليا ” الزعيم “، وفاز ضمنيا ” الأوغاد ” !، وخسِر المواطنون كُل شيء !، خُدِع الجميع بأنّ الأوغاد كانوا يقومون بالدور المنوط بِهم، لكنّهم في الواقع كانوا شبكة مُحترفة في المصلحة الخاصّة، راهنوا على الولاية فأخذوا ثمنها، راهنوا على الزعيم … فإحتووه، وراهنوا على المواطِن فإغتالوه !.

قصّة هاته المدينة الآثم أهلها، لم تعُد تختلِف عن قصّة طاوِلة اللعب، الأوراق المُحرّكة أتباع الأسياد، وأموال الرِهان ميزانية ولاية، والخسارة يتحمّلها ما تبقّى من مواطنين !، ذلك سِحر اللعبة، على الطاولة يربح الجميع، وفي الواقِع لا يخسرُ إلّا البسطاء !، تبّا لهاته اللعبة المُربِكة، ولما تحتويه من إرشادات … وألف سُحقٍ لكلّ من لعِبها وهُو يعرِف قواعِدها !.

بدر الدين قرماط

 

Comments are closed

UA-41023677-1