دير الخير … ومن بعد ترشح ” مير ” !

تعوّدنا في الجلفة، غداة كل إستحقاق إنتخابي كان، بُروز نوع من الأبطال الموسميين، يلبسون تارة حُلّة أصحاب القضية وتارة أخرى جُبّة فاعلي الخير، ولو كانو خيّرين بالفِطرة لما كلّف المرء نفسه عناء إنتقادهم، لكن كُلّ هاته الصِفات الحسنة تجلّى المقصد من وراءها، وهو تضليل أهل ” الدُوار ” على أن هؤلاء خيرة أبناء المنطقة و فلذات أكبادها البررة !، والغاية من وراء كُل هذا شيء مقيت ومُقزّز، وهو إفتكاك مقعد في مجلس مُنتخب مّا.
وجب أوّلا أن نُحدّد ضمن تحليل بسيط ونُفرّق بين مَن هُم أصحاب الخير ومن هُم مُتبنّو الفعل الخيري حتّى تضبط المفاهيم وينقشع الغمام، فأي حملة خيرية كانت قاعدتها الأساسية هُم المُحسنون ومعظمهم أناس يتجنّبون الظهور إلى العلن، تجِدهُم يُنفقون من أموالهم في سبيل الله حقّا وإيمانا بالعامل الإنساني في القضية لا غير، أمّا الجزء الثاني منها هُم أناس لم يُنفِقو شيئا من أموالهم بل العكس في أحيان كثيرة !، قامو بالتنسيق فقط في العملية بين الفقراء وأهل الإحسان، ثُمّ رمو بالقضية إلى الشارع كي يظهرو بأنّهم هُم أهل الإحسان !، شعارهم كرامة الفقير وهُم أوّل من مرّغوها في الأرض عن طريق التشهير بالمستفيدين من هاته الحملات، قد يقول أحدُهم أنّ الجانب الإعلامي مُهم في إضفاء الشفافية على القضية لكن الجانب الأخلاقي ( لو كانوا بالفعل متخلّقون كما يدّعون ) يمنعهم من إستغلال الأمر لصالحهم على أن يبرزو هُم ويغيّبو بذلك المُحسنين الحقيقيين الذين تبرّعوا من جيوبهم في الخفاء !، فالشفافية هي ألّا تتبنّى أنت العملية خاصّة إذا كانت لك نيّة الترشّح من بعد تلميع صورتك بأموال المُحسنين و مآسي المساكين !، فحينئذ ينقلب ما فعلته من خير عليك و تصير مذموما أكثر ممّن لم يفعلوا شيئا من الخير في حياتهم.
ربّما لم يبقى إلّا فعل الخير عملا بريئا خالصا لوجه الله إلّا أن هؤلاء يبتغون تسييسه !، وبعدما عِشنا في السابق مظاهر التحايل والتجارة بالدين ها نحن اليوم على موعد مع التجارة بمآسي الآخرين !، فوراء الكثير من الأعمال الخيرية في الجلفة كيدٌ يُكاد لأهلها ولأصحاب القضية في حدّ ذاتهم، خاصّة عندما يتعلّق الأمر بإنتخابات محلية على الأبواب يبحث بعضهم عن تزكية ترشّحهم عن طريق تبنّي فعل الخير.
في ولاية الجلفة لوحدها، مئات المُحسنين الذين يُنفقون أموالهم سرّا، الكشافة الإسلامية لوحدها تقوم بتوزيع آلاف وجبات السحور يوميا طيلة 30 يوما وجمعيات أخرى تُفطِر الآلاف يوميا و تتكفّل حتى بـ ” كسوة ” العيد للفقراء وتقديم الأضحية لهُم وتزويج ميسوري الحال، وهنالك من الناس من يقومون بأعمال خيرية تقشعرّ لها الأبدان منهم من قُصّت رواياتهم ومنهم من لم تُقصّ، ميزانية قفّة رمضان التي تمنحها الولاية كُلّ سنة يفوق مبلغها 80 مليار سنتيم …،كُل هؤلاء لم يبحثوا يوما عن البروز الإعلامي ولا عن الشُهرة، ليأتي في الأخير أناس جمعوا بضع سلع ووزعوها على الفقراء تحت الأضواء الكاشفة واصفين إياها بالإنجاز التاريخي الذي يحفظ الكرامة ويصون العزّة !، فهُم إغتنموا بذلك الشرخ الموجود بين المواطن و فعاليات المُجتمع المدني والحركة الجمعوية كي يُقدّموا أنفسُهم على طبق النقاء و التقاء و بيض السريرة ويتخذون من عدم إنتماءهم لأي تنظيم أو حركة أو حزب دليلا على إخلاصهم وحُبّهم لفعل الخير !، والكارثة التي أخشاها أن نجِد هؤلاء بعد شهور قليلة يحمِلون ملفات ترشّح بمقر الولاية !، ألا خاب سعيكم في الدنيا والآخرة ولكم هجاء مهين.
طبعا، لا يعني كُل هذا ألّا نرى من المُحسنين وأصحاب الخير مُنتخبين محليين أو وطنيين بل على العكس، لكن لتوضيح الرؤى وجب أن نعلم أن فاعل الخير هو ذاك الذي تتحدّث أعماله عنه لا من يتحدّث هو عن أعماله، أما الفئة الأخرى التي تبحث عن البُروز فلها أمران إثنان، إمّا أن تكُفّ أيديها عن الخير حتّى لا تُلطّخه كغيره من المجالات وتُقبِل على الترشّح مُباشرة ليضعها الناس مع كُل المرشّحين في سلّة واحدة، أو أن تُواصل سعيها في الخير مشكورة مُباركة … لكن لا تقترب من المجالس المُنتخبة فيصبح عُذرها حينئذ أقبح من ذنب الغش في قفّة رمضان بالبلدية !، وصح صيامكم.
– بدر الدين قرماط

Comments are closed

UA-41023677-1